أحمد ياسوف
405
دراسات فنيه في القرآن الكريم
أن الآيتين : الأولى والثانية ، لا تتحدثان عن الأطفال في عموم حالهم ، وأيّاما كانت مرحلة طفولتهم ، ولكنهما تتحدثان عنهم أوّل عهدهم بالحياة ، حين يخرجون إليها ، ويتنسّمون هواءها ، والأطفال في هذه الحال جمع عدد ، ولكنهم فرد واحد حقيقة ومعنى ، ومهما تعددت أشخاصهم ، وتباينت صورهم وألوانهم ، وتخالف آباؤهم وأمهاتهم ، لأنهم يتحدون في سر الوجود وحكمة الخلق ، أليسوا جميعا على الفطرة « كل مولود يولد على الفطرة » « 1 » فالطفل بلفظة الإفراد أحقّ بهذا المقام وأصلح له ، لأنه يوحي بإفراده ما لا يوحي بجمعه ، وينبّه إلى ما لا ينبّه الجمع إليه » « 2 » . ثم يقول حول آية النور : « أما الآية الثالثة ، فتتحدث عنه مع الذين يباح للنساء أن يبدين زينتهن لهم ، ونلاحظ أنهم ذكروا بلفظ الجمع ، أما الأطفال فقد ذكروا وحدهم بلفظ الإفراد . . . فكيف يصحّ في شرعة البيان والإعجاز أن يذكروا مع من ذكروا معهم بلفظ الجمع مثلهم ، وهم ليسوا منهم ، ولا على شاكلتهم في الحكم الذي جمع بينهم » « 3 » . كما يبدو لنا أن الإفراد يحدث مفاجأة لغوية مع صيغ الجمع المتعددة للرجال : آباء إخوة ، أعمام ، أخوال . . . وفي هذه المفاجأة إشارة إلى البراءة وتذكير كبير بها ، ودعوة إلى براءة الأطفال وخصوصيتها ، وكأنها خطوط نافرة في لوحة . ورد في القرآن الكريم التعبير بالجمع مكان التثنية ، في قوله عز وجل عن السماء قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصّلت : 11 ] بدلا من طائعتين بالتثنية ، والرصيد الديني هو الذي يفسر لنا هذه الصيغة ، يقول الدكتور علي
--> ( 1 ) فيض القدير شرح الجامع الصغير ، المناوي : 5 / 33 . ( 2 ) مع القرآن الكريم في دراسة مستلهمة ، د . علي النجدي ناصف ، ص / 110 . ( 3 ) مع القرآن الكريم ص / 110 - 111 .